أبو علي سينا
الفن السادس 222
الشفاء ( الطبيعيات )
الآخر مما نذكره . ثم قال : فإذا « 1 » كانت واحدة غير جسم استحال « 2 » أن تنقسم في الآلات وتتكثر ، فإنها حينئذ تصير صورة مادية ، وقد ثبت عندهم أنها جوهر مفارق بقياسات لا حاجة لنا إلى تعدادها هاهنا ، قالوا فهي بنفسها تفعل ما تفعل بآلات مختلفة . والذين قالوا من هؤلاء : إن النفس علامة بذاتها ، احتجوا وقالوا : لأنها إن كانت جاهلة عادمة للعلوم فإما أن يكون ذلك لها لجوهرها « 3 » أو يكون عارضا لها ، فإن كان لجوهرها استحال أن تعلم البتة ، وإن كان عارضا لها فالعارض يعرض على الأمر الموجود للشئ . فيكون موجودا للنفس أن تعلم الأشياء لكن عرض لها أن جهلت بسبب ، فيكون السبب إنما يتسبب « 4 » للجهل لا للعلم . فإذا رفعنا الأسباب العارضة بقي لها الأمر الذي في ذاتها ، ثم إذا كان الأمر الذي لها في ذاتها هو أن تعلم فكيف يجوز أن يعرض لها بسبب من الأسباب أن تصير لا تعلم وهي بسيطة روحانية لا تنفعل ، بل يجوز أن يكون عندها العلم وتكون معرضة عنه مشغولة ، إذا نبهت علمت ، وكان معنى التنبيه ردها إلى ذاتها وإلى حال طبيعتها ، فتصادف نفسها عالمة بكل شئ . وأما أصحاب التذكر فإنهم احتجوا وقالوا : إنه لو لم تكن النفس علمت وقتا ما تجهله الآن وتطلبه لكانت « 5 » إذا ظفرت به لم تعلم أنه المطلوب ، كطالب العبد الآبق ؛ وقد فرغنا عن ذكر هذا في موضع آخر وعن نقضه . والذين كثروا النفس ، فقد احتجوا وقالوا : كيف يمكننا أن نقول : إن الأنفس كلها نفس واحدة ، ونحن نجد النبات وله « 6 » النفس الشهوانية ، أعنى التي ذكرناها في هذا الفصل ، وليس له « 7 » النفس المدركة الحاسة « 8 » المميزة ، فتكون لا محالة النفس هذه شيئا منفردا بذاته دون تلك النفس ، ثم نجد الحيوان وله « 9 » هذه النفس الحساسة الغضبية ، ولا تكون هناك النفس النطقية أصلا ، فتكون هذه الأنفس « 10 » البهيمية نفسا على حدة . فإذا اجتمعت هذه الأمور في الإنسان ، علمنا أنه قد اجتمع فيه أنفس متباينة مختلفة « 11 » الذوات ، قد يفارق
--> ( 1 ) فإذا : فإذ د ( 2 ) استحال : استحالت د ، م . ( 3 ) لجوهرها : بجوهرها ك . ( 4 ) يتسبب : ينسب م . ( 5 ) لكانت : لكان د ، ك ، م . ( 6 ) وله : ولها د ، م . ( 7 ) له : لها د ، م ( 8 ) الحاسة : الحساسة ك . ( 9 ) وله : ولها د ، م . ( 10 ) الأنفس : النفس ف . ( 11 ) متباينة : سمائية م .